عبد الملك الثعالبي النيسابوري
10
الإعجاز والإيجاز
للفطرة السليمة نقاؤها ، وللنفوس البريئة صفاؤها وطهرها ! وليس هذا العمل بدعا ، ولا من الممنوع شرعا ، كما قال الإمام « محمد عبده » في مقدمة « مقامات بديع الزمان الهمذاني » ، فقد جرت سنة العلماء بالتهذيب والتمحيص ، والتنقيح ، والتلخيص ، وليس من منكر عليهم في شيء من ذلك ! ولا شك أن لكل زمان مقال ، ولكل خيال مجال ! وأبناؤنا الناشئون في حاجة إلى تلك النماذج العليا التي تنفعهم وتدفعهم إلى الكمال ، وتصفى نفوسهم ، وترقق مشاعرهم ، وتسمو بأرواحهم ! 1 ومهما يكن من شيء فإن الثعالبي الذي اختار له التعليم مهنة ، وفضلها على « صناعة فراء الثعالب » قد أجاد الاختيار وقدمه لنا ولأبنائنا في عشرة أبواب تضمنت النثر المشتمل على سحر البيان ، والشعر المحاكى قطع الجمان « 1 » ! وما ظنك بمن لقّب بجاحظ زمانه ، وجمع في « يتيمته » من روائع الشعر حتى منتصف القرن الرابع الهجري ما جعله بحق شاهدا على عصره ! وصدق عليه قول ابن خلّكان في وفيات الأعيان : « جامع أشتات النثر والنظم » . لقد شهد أبو منصور العصر الثالث العباسي الذي نهض فيه الأدب في ظل « الدّويلات » ، في العراق ، وفارس ، وخراسان ، على يد « البويهيين » ، كما نهض في تركستان على يد « السّامانيين » ، في بخارى ، ونيسابور ، مسقط رأس أبى منصور ! وها هو ذا كتابه يشهد له بالسبق والتفوق . أرجو اللّه أن يمنحنى القدرة على استكمال إحياء مكتبته ، وألا يحرمنى مثوبة هذا العمل عنده فهو ولى الإجابة ، وإليه الإنابة .
--> ( 1 ) الجمان : اللؤلؤ ، وحب يصاغ من الفضة على شكل اللؤلؤ .